حيدر حب الله

58

مسألة المنهج في الفكر الديني

كما نعرف جميعاً ، مهما حاول الخطاب الأيديولوجي أن يضفي عليها سكونيةً ومبدئية ، وهذا ما يعني أن أبسط تحوّل في الأوضاع السياسية من شأنه أن يعيد إلى الواجهة ذلك الصوت المكتوم للضرورة المؤقتة ، لأن الذي أقصاه ليس قناعة تامة بإعادة تكوين المجتمع الإسلامي نفسه على الوحدة والتقريب ، وإنما ضرورات مرحلية اقتضها طبيعة المواجهة ، أي لم يكن المطلوب تحقيق المشروع - أي التقريب - لذاته ، وإنما لغيره ، وما يكون لغيره يتبع غيره في تحوّلاته ، ولما كانت الحياة السياسية متقلّبة ، لا شيء فيها يضمن بقاء أوضاع الأمة على هذه الحال ، كان المشروع نفسه غير مستقر ، وهذا خطر كبير يتهدّده في ديمومته واستمراره . إن تجميد حالة الاختلاف السلبي لا يعني اقتلاعها ، فالاعتماد على المشروع السياسي يجمّد الخلاف السلبي ، لكنه يبقيه على شرعيته من حيث المبدأ ، مما يفسح له في المجال ، لإعادة الظهور عندما تتحوّل الأوضاع . وليس المحذور الوحيد في انبناء مشروع التقريب على خصوص العنصر السياسي منحصراً فيما أشرنا إليه من عدم اشتماله - حينئذٍ - على حلول جذرية بل مؤقتة فحسب ، بل هناك محذور آخر ، عرفته تجربة التقريب - فيما نراه - ألا وهو محذور الازدواجية التي شاهدنا عيّناتها في أكثر من واقع إسلامي ، على امتداد القرن العشرين . فالوحدويون كانوا أصحاب خطاب توحيدي تأليفي عام ، إلّا أنهم كانوا - في الأغلب - أصحاب خطاب فئوي ، وأحياناً قاتل ، عندما كانوا يرجعون إلى بني جلدتهم وأبناء طوائفهم ومذاهبهم ، وكأن النفاق هو المبدأ الحاكم على حركة المشروع لدى بعضهم ، وماذا يمكن أن يرتجى من مشروع لا يكاد يحظى في ذاته وعمقه بإيمان بعض منظّريه ومناصريه ، وكأن كلّ فريق يحفر لصاحبه في لقائه معه لكي يكون المشروع لصالحه ؟ ! إنّ هذه الظاهرة تؤكّد على مصلحية مشروع التقريب لا حُسنه في ذاته ، كما هو المطلوب ، وهي مصلحة تعرّض المشروع نفسه للخطر في حال طرأت